شكيب أرسلان
92
الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )
وبنى سور مدينة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وما كان خرب من مسجده ، وكان يحمل في كلّ سنة إلى مكة شرّفها اللّه تعالى والمدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام من الأموال والكسوات للفقراء والمنقطعين ، ما يقوم بهم مدة سنة كاملة . كان له ديوان مرتّب باسم أرباب الرسوم والقصّاد لا غير ، ولقد تنوع في فعل الخير حتى جاء في زمنه بالموصل غلاء مفرط ، فواسى الناس حتّى لم يبق شيئا . وكان إقطاعه عشر مغلّ البلاد ، على جاري عادة وزراء الدولة السلجوقية ، إلى أن قال عن وفاته : توفي في العشر الأخير من شهر رمضان المعظم - وقيل من شعبان - سنة تسع وخمسين وخمسمئة ، وصلّي عليه ، وكان يوما مشهودا من ضجيج الضعفاء والأرامل والأيتام حول جنازته ، ودفن بالموصل إلى بعض سنة ستين ، ثم نقل إلى مكة حرسها اللّه تعالى ، وطيف به حول الكعبة ، وكان بعد أن صعدوا به ليلة الوقفة إلى جبل عرفات ، وكانوا يطوفون به كلّ يوم مرارا مدّة مقامهم بمكة شرّفها اللّه تعالى ، وكان يوم دخوله مكة يوما مشهودا من اجتماع الخلق والبكاء عليه ، وقيل : إنه لم يعهد عندهم مثل ذلك اليوم ، وكان معه شخص مرتّب ، يذكر محاسنه ، ويعدّد مآثره إلى أن قال - ثم حمل إلى مدينة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، ودفن فيها بالبقيع ، بعد أن أدخل المدينة ، وطيف به حول حجرة الرسول صلى اللّه عليه وسلم مرارا ، وأنشد الشخص الذي كان مرتبا معه « 1 » :
--> - درج [ مصاطب ] بعضه فوق بعض ، كما يرى من وقوف الناس عليه طبقة فوق طبقة ، وهذا الدرج هو الذي كان يسمّى إلا لا - بكسر الهمزة ، وحكي فتحها . ( 1 ) [ البيتان من قصيدة للقاضي أبي يعلى حمزة بن عبد الرزاق بن أبي حصين يرثي بها مخلص الدولة مقلد بن نصر بن منقذ الكناني ، وهي من فائق الشعر ، وقد ذكرها ابن خلكان بتمامها في « الوفيات » ( 5 : 270 - 273 ) ] .